10.11.08

Different

- Something is Different?
- Good or Bad?
- Anything different is Good.
From the Movie "Groundhog Day"

2.11.08

الإجابة الصحيحة


الإجابة الصحيحة
أسحاق عظيموف
ترجمة محمد سيد عبد الرحيم

أن عدد القوانين العامة التى توصلنا إليها عن الكون أو عن أي جزء معين منه هو دائما محدود، والحكماء المشتتون فى هذا العالم – السابقون والحاليون – لديهم (رغم أن أعينهم مغلقة إلا أن نواياهم تفلح) معرفة خاصة تأتي مع كل واحد منهم.
ويتبع ذلك أن أيا كانت النتائج التي توصل إليها العلماء في أبحاثهم عن أي شيء، يظل من الممكن أن تقارن دائما ببعض التأملات الشرقية أو أساطير من الأساطير السلتية أو الفلكلور الأفريقي أو الفلسفة الإغريقية وكلهم يبدون متشابهون.
عند الإنتهاء من المقارنة، نستخلص أن العلماء بغباء يضيعون الكثير من الأموال والمجهودات لكي يعرفوا ما كان يعرفه حكماء الشرق الماهرون (السلتيون، الأفارقة، اليونانيون) منذ القدم .
كمثال:
من الممكن أن تحدث ثلاثة أحداث فى الكون على المدى البعيد:
1. أن لا يتمدد الكون بشكل كلي، وبناء على ذلك، أن لا توجد له بداية أو نهاية.
2. أن يتمدد الكون بشكل تدريجي أي فى اتجاه واحد فقط، وبناء على ذلك، له بداية غير مشكوك فيها ونهاية مختلفة.
3. أن يتمدد الكون بشكل دوري، نزولا وصعودا، وبناء على ذلك، فالنهايات هي نفسها البدايات التي نشأت منها الدورات الأخرى.
كل الحكماء القدماء الذين تأملوا في أمر الكون عن طريق الحدس قد توصلوا إلى واحد من هذه البدائل الثلاثة ولذا فهم يتساوون مع العلم والعلماء، بل أنهم يرجحون النظريات العلمية التي توصل إليها العلم عندما يرجحون الأخذ بأحد هذه الفروض الثلاثة.
في اللحظة الآنية، يميل العلماء إلى تقبل البديل الثاني، فيبدو لهم أن الكون قد نشأ مع "الإنفجار العظيم" ويتمدد تدريجيا إلى ما لا نهاية مع وجود لانتروبيا (1) قسوى (في كلا الحالتين بواسطة الثقوب السوداء أو بدونها).
إذا تناولنا آيات معينة من الكتاب المقدس وفسرناها تفسيرا جيدا، سوف نجد أن الكتاب المقدس يؤكد تلك النظريات العلمية، فكل ما نحتاج أن نقرره هو أن جملة "فليكن النور" هى الترجمة اللاهوتية "للإنفجار العظيم" وأن الستة أيام لا تختلف كثيرا عن الخمسة عشر بليون عام. وبذلك نستطيع أن نؤكد بلا شك أن النظريات الفلكية المعاصرة تدعم سفر التكوين.
ما الذي يميز العلم إذن؟ بالتأكيد ليست النتائج التي وصل إليها. فهذه النتائج مقيدة بالأرقام والفروض التي سوف توصلك إلى الإجابة " الصحيحة"، وهذه ليست بها قيمة أكثر مما نجده في حلبات السباق.
ما يميز قيمة العلم هو منهج البحث والنظام الذي يستخدمه العلم للوصول إلى هذه النتائج.
يتكلم مئات الحكماء ولكنهم لا يستطيعون تقديم شيء أكثر إقناعا من الصيغة الأمرية "فلتؤمن!"، لأنه يوجد كثير من الناس يؤمنون بأقوال كل واحد من هؤلاء الحكماء؛ توجد نزعات ومذاهب لا نهائية، أناس قد كرهوا بعنف باسم الحياة وأناس آخرون قد قتلوا بحماسة باسم السلام.
من جهة أخرى، بدأ العلماء بالملاحظة والقياس واستدلوا أو استقرأوا نتائجهم من هذه الملاحظات والقياسات. وفي الأغلب الأعم لم يقبلوا أي نتائج إلا إذا استطاعوا إعادة تلك الملاحظات والقياسات بشكل مستقل. وقبول هذه النتائج قبول مؤقت، معلق إلى حين ظهور ملاحظات وقياسات أفضل وأكثر شمولا. ونتيجة لذلك لا يهم مقدار الإختلافات التي تظهر في نتائج البحث التمهيدية، فالاتفاق سيكون هو الواقع الآخير.
وبناء على ذلك، نجد أن ما يدعم العلم ليس كونه حاليا (وبشكل مؤقت) قرر وجود "انفجار كوني"، بل ما يدعمه هو السلسلة الطويلة من الإختبارات التي أدت إلى ملاحظة خواص الموجات اللا سلكية التي أعطتنا خلفية تدعم هذه النتيجة.
أن ما يدعم العلم ليس كونه حاليا (وبشكل مؤقت) قرر أن الكون تحدث به تغيرات مطردة وظاهرة وأنه يتمدد إلى ما لا نهاية، بل ما يدعمه هو السلسلة الطويلة من الاختبارات التي أدت إلى ملاحظة الإنزياح الأحمر في الأطياف الخاصة بالمجرة.
إذن أنت لا تستطيع أن تقنعني أن هؤلاء الشرقيون الناجحون (السلتيون، الأفارقة، اليونانيون أو حتى التوراتيون) قد توصلوا إلى أفكار تبدو كالإنفجار الكوني أو الإمتداد اللا نهائي للكون. فهذه التأملات تافهة.
فلتقدم لي أدلة تدل على أن هؤلاء الحكماء كانوا يعملون فوق أرضية خواص الموجات اللا سلكية أو الإنزياح الأحمر في الأطياف الخاصة بالمجرة، فهذا وحده ما يمكن أن يدعم هذه النتائج التي توصلوا إليها ولكنك لن تستطيع تقديم أي أدلة. فالعلم وحده هو القادر على ذلك!

(1) انتروبيا: عامل رياضي يعتبر مقياسا للطاقة غير المستفادة في نظام ديناميكي حراري.

24.10.08

الرحمة



يرقد بسيارة تحت الطلب ذات لوحة معدنية زرقاء منقوش عليها رقم 666، قد خط عليها خطاط سنى على أحد جانبيها " كل نفس ذائقة للموت " و على الجانب الآخر " كل من عليها فان ".
" الخشبة " هكذا يدعونها، أو الصندوق أو النعش و قديما كانوا يطلقون عليها التابوت. هو.. رغم أنى موقن أنه لا مشاحة فى الأسامى. و أنه ليس من الجدير بى أن أطلق على كل شئ اسمه الخاص به، لأننى إذا بدأت فى ذلك فلن أنتهى فى يومى هذا، بل سأظل أنعت كل الأشياء التى تعلمتها – منذ البدء – بأسماءها حتى املأ مجلدات ضخمة كمجلدات أرسطو أو دستوفسكى. إلا أننى سوف أحدثكم باسم هذا الشخص الراقد بصندوق داخل صندوق داخل صندوق. لأننى عندما أقول لكم عن اسمه ستذكرون الكثير و تفهمون الأقل. و هذا يكفينى!
اسمه أيوب. بعضهم يلحقون به لقب تعظيمى فينعتونه بسيدنا أيوب و بعضهم يعظمونه أكثر فينعتونه بالنبى أيوب أو نبى الله أيوب. كلنا نعرف حكايته الشهيرة التى لخصها أجدادى بقولهم " يا صبر أيوب ". كلنا نعرف أيضا بلاءه و تحمله و تحمل امرأته رحمة. و لكنكم لا تعرفون ماذا حدث بعد تحممه بالنبع الذى شفاه و كأن طاليس قد بان صدقه حينئذ.
عاش أيوب بعد تعميده بالنبع حياة سالمة و هادئة مؤتلفا مع زوجته رحمة التى كانت تحبه حقا، حتى أنها لم تفارقه عندما حدث الجدب و القحت و أيضا عندما تهدم بيتهم على أولادها و بناتها، و أيضا عندما أصاب زوجها الجذام و أمراض أخرى يصعب عدها و حصرها كتعدد حيوانات البرية و طير السماء. و أيضا عندما أضطرت لبيع شعرها لخادمتها كى تعطف عليها بكسرة خبز. من النقيض إلى النقيض، من الإيجاب إلى السلب، من الوجود إلى اللا وجود، استقرت، لم تعصف بها الأحوال و الحالات المتتالية و المتوالية مثلما عصفت بأيوب. و لكن ماذا نقول عن ذكورية التدوين؟؟!!
فالأولى برأيى – غير المتواضع أو المحايد – أن يطلق على رحمة لقب سيدتنا رحمة أو النبية رحمة، بل و يمحى المثل الشعبى و يدون بدلا منه " يا صبر رحمة ". هكذا أريد! هكذا أرغب!
توفى الله أيوب و أدخله فسيح ناره و جحيمه، كان يسير فى شارع ضيق عندما وقع على رأسه فانوسا رمضانيا كان معلقا بين بنايتين، فمات. صار يلتهب من حر النار، فيغير الله له جلده كى يشقى من جديد، تماما كسيزيف.
تعذيب جسمانى عن طريق اللمس/ حرقة النار، البصر/ رؤية ما لا يسرها، السمع/ الإنصات لما لا يبغيه و ما يرهبه أكثر من غيره، الشم/ امتلاء أنفه و صدره بروائح نتنة و كريهة تنبع من كل مكان حتى منه هو نفسه، التذوق/ أكل طعام فاسد و بصقه و أكله مرة أخرى و بصقه و هكذا...
استمرار للعذاب اللا أبدى. يوم، أسبوع، شهر، عام، ( بدأ لا يحدد الأعداد أو الأزمان )، قرن تقريبا، ألف عام، ألف ألف عام تقريبا، ( نسى ما وصل إليه فى العد )، منذ الأزل و إلى الأبد، ( نسى حتى لماذا هو هنا و أين كان قبل ذلك )...
عذاب خالص.. و تقبل للعذاب الخالص. عدم رؤية للنجاة/ الخروج من النار/ الجحيم. عدم استنطاق للماضى أو استشراف للمستقبل القريب أو البعيد. فقط... عذاب خالص.
فجأة و بلا أية مقدمات إلهية، أخرجه الله من النار، لفحته نسمة معتدلة الحرارة أعادت له الحياة كربيع أنقض على الصيف فأوقعه أرضا منتصرا و مزهوا بفعله غير المتزن أو المحسوب. عطس، حمد الله و لفظ بالشهادتين، ثم قال " لن أعود إلى هذا المكان مرة أخرى، نعم لن أعود إلى هذا المكان مرة أخرى".
دخوله الجنة كان هادئا، كأنه يدخل إلى بيته اللا مبوب.
عاش سالما و صافيا كجمل بواحة صغيرة، بعدها بمدة لا معلومة أشار الله عليه بأن يزوجه إحدى حوراءه و حينها تذكر زوجته، تذكر رحمة، تذكر عشقها له، تماما كعشقها لغسل المواعين بينما هى لابسة لغوايشها كلها. كانت تحب صوت ارتطام الذهب بالحلل و الأوانى المعدنية. سأل الله عنها و لكنه لم يجبه، سأل إن كانت ما زالت عالقة بالنار و لكنه لم يجبه، سأل إن كانت خالدة فى النار و لكنه لم يجبه. فلم يقبل من الله حوراءه. سعى للسؤال عن أخبارها. مشى ألف ألف يوم أو أكثر حتى وصل إلى مجلس رجل آخر من ساكنى الجنة، سأله فلم يهديه للجواب. أشار بالسبابة إلى عرش الله قائلا " هو أعلم ".
سعى إلى الكثير من المجالس، اجتاز بعدد المجالس أنهارا و بحورا مملوءة بالخمر و العسل و اللبن و الماء حتى وصل إليها.
و لكنه لم يجدها تسعى إلى ملاقته مثلما فعل هو لملقاتها، و لم يجدها منتظرة له مثلما فعلت أمها الأولى. بل وجدها قد تزوجت برجل آخر، سألها لما، جاوبته أن الله قد أختار لها رجلا أصلح منه كى تتزوجه. سب الله غير الحكيم و نعته بسوء التدبير.

عذاب لا أبدى،
يوم،
أسبوع،
شهر،
عام،
قرن تقريبا،
ألف عام تقريبا،
ألف ألف عام تقريبا،
منذ الأزل و إلى الأبد.
نسيان و عذاب خالص.
عذاب خالص و نسيان.
نجاة/
خروج.
إشارة الله له بالزواج،
تذكر،
سؤال،
تجاهل للسؤال،
سعى،
سعى،
سعى،
اجتياز،
اجتياز،
اجتياز،
عثوره عليها،
سؤاله لما،
ردها،
جحود...
عذاب لا أبدى..........


16.4.08



قال لى الشيطان يوما: ان للرب جحيما هو جحيم محبته للناس.


و قد سمعت هذا الشيطان يقول أخيرا: لقد مات الآله و ما أماته غير رحمته.



هكذا تكلم زرادشت/ نيتشه

1.4.08

الخطايا التسع


1- الغباء.

2- الإدعاء.

3- الأنانية.

4- خداع الذات.

5- الخضوع.

6- افتقاد الرؤية.

7- نسيان الماضى الأرثوذكسى.

8- الزهو غير المنتج.

9- افتقاد الحس الجمالى.


انجيل ابليس/ انطون ساندور لافى

28.10.07

من وصايا الشيطان


لا ينبغي أن تتورط في الحب، فالحب ضعف وتخاذل وتهافت، فأزهق الحب في نفسك لتكون كاملاً، وليظهر انك لست في حاجة لأحد وأن سعادتك من ذاتك لا يعطيها لك أحد، وليس لأحد أن يمن بها عليك. وفي الحجب يكون التفريط في حقوقك فلا تحب، وانتزع حقوقك من الآخرين، ومن يضربك على خدك فاضربه بجميع يديك على جسمه كله، ولا تحب جارك وإنما عامله كأحد الناس العاديين، ولا تتزوج، ولا تنجب، فتتخلص من أن تكون وسيلة بيولوجية للحياة وللاستمرار فيها، وتكون لنفسك فقط.


من وصايا عبدة الشيطان

24.10.07

تمزقات


وزنوا الرجل الأشيب كالجير

وزنوا قدمى دون أصابعها

وزنوا الثمار الناضجة لأحشائك

على ميزان الكنائس غير الدقيق

ووجدوا أن ثقل روحى

يساوى ثقل طائر بطريق

دون أجنحته.


جويس منصور

23.10.07

إيقاع الصورة


نحن معشر النقاشين نستحق الجنة عندما نكون عبيد مهارتنا و فننا لا عبيد سلطاننا الذى يمنحنا العمل.
أورهان باموق/ أسمى أحمر


إيقاع الصورة
فى فيلم أندريا ريبلوف

محمد سيد عبد الرحيم

ما أشبه فيلم أندريا ريبلوف لمخرجه الروسى أندريا تاركوفسكى برواية أسمى أحمر للروائى التركى أورهان باموق الحاصل على جائزة نوبل للآداب للعام 2006؛ فكلا بطلى العملين الفنيين رسامين يطلب منهم رسم عمل فنى و خلال رسم هذا العمل يبدأوا فى التفكير فى ماهية الفن و ماهية الحياة و ماهية الكون و الدنيا بشكل عام. أبدع سرديا أورهان باموق فى روايته بينما أبدع سينمائيا أندريا تاركوفسكى فى فيلمه أندريا ريبلوف.
بطل فيلم أندريا ريبلوف هو شخص يجاهد كى يجنى حريته ضد السلطة التى تريده أن يرسم ما تشاء من كنائس و كتدرائيات، تلك السلطة نفسها هى التى تتعاون مع العدو التتارى كى تقتل بعضها بعض، فالأمير يتعاون مع التتار كى يقتل أخيه و يستولى على الحكم و يصير حاكما بدلا منه بعدها تتعاون السلطة الجديدة مع التتار كى تقتل الكثير من أبناء الشعب/ الوطن/ روسيا.
البطل يؤمن بالفن، يؤمن بأن الفن يمكن اعتباره دينا حيث أن التزامه بالهدف الأسمى هو الذى يلهمه مثلما يقول أندريا تاركوفسكى فى كتابه النحت فى الزمن. فالفنان هنا هو الفنان الملتزم الذى يرى أهمية الفن للإنسان خلال حياته و تعايشه فى هذه الحياة/ حياته.
يبدأ الفيلم بشخص يريد الطيران بالبالون و لكن بعد أن يبرد الهواء الساخن بداخل البالون يقع على الأرض بينما الأحصنة تتمرغ على الأرض رافعة أرجلها فى وجه السماء، يذكرنا هذا بالتأكيد بإيكاروس الذى ذاب الشمع الذى ألصق به ريش الطيور عندما أقترب من الشمس، و هى رمزية المعرفة التى طالما أستخدمت/ أستهلكت فى التراث الغربى المتأثر بالتراث اليونانى.
و لكن المختلف هنا أن هذا الإيكاروس هو الفنان أو المجنون المقدس، ذلك الحاج أو الشحاذ أو الدرويش بملابسه الرثة و الذى حضوره يؤثر فى الذين يعيشون حيوات سوية/ إعتيادية و مألوفة و الذى تكهناته و إنكاره للذات كانت دائما فى تعارض مع أفكار العالم و قوانينه الراسخة و الآسنة. ( النحت فى الزمن )
ذلك هو الفنان فى رأى أندريا تاركوفسكى الذى يتماشى مع فلسفة كانت – الفيلسوف الألمانى المثالى الشهير – الأخلاقية التى تقول " أفعل الفعل بحيث تعامل الإنسانية فى شخصك و فى شخص كل إنسان سواك بوصفها دائما و فى نفس الوقت غاية فى ذاتها، و لا تعاملها أبدا كما لو كانت مجرد وسيلة ". ( امانويل كانت/ تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق )
فالخلاص يكمن فى الفن، فى دقة الناقوس التى تخلق الأعياد و البهجة للناس مثلما يقول أندريا ريبلوف و ليس فى طقوس دق الناقوس، هذا الناقوس الذى صنعه فنان و نقش عليه فنان و كلاهما وهبه الله هذه الموهبة دونا عن بقية الخلق.
فالفن ليس خطيئة مثلما كانت تقول محاكم التفتيش بروسيا بالقرن الثانى عشر كما أن الحب ليس خطيئة، و المهرج ليس من عمل الشيطان، ذلك المهرج الذى يمثل الفن الشعبى يبهج الناس، يرفه عنهم، هو لا يقتل الناس باسم الدين ثم يقتل أخيه ليستولى على الحكم، هو لا يحرق الحقول و يرويها بدماء الأبرياء، هو لا يخرب الكنائس/ أماكن العبادة و يغتصب النساء بداخلها. يكفى أن المهرج لا يناقض نفسه - مثلما يقول امانويل كانت – لكى يكون فاضلا. ( كانت/ مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما )
بعكس بداية ثبات السينما الروسية المتمثلة فى أيزنشتاين مخرج روسيا الأعظم. لا يقيم أندريا تاركوفسكى فيلمه على المونتاج أو الأيدولوجيا. فأيزنشتاين يهتم كثيرا بالمونتاج كما يهتم كثيرا – بتأثير سلطوى – بالأيدولوجيا. الأيدولوجيا الماركسية بالتأكيد. و لكن تاركوفسكى الذى لم يعرض فيلمه هذا أندريا ريبلوف فى روسيا إلا بعد سنوات عديدة من عرضه بمهرجان كان بفرنسا بسبب أيدولوجيته المختلفة و المفارقة لأيدولوجيا الإتحاد السوفيوتى، كان يهتم أيضا بإيقاع الفيلم أكثر من اهتمامه بمونتاج الفيلم و أيدولوجيته.
فيوجد فارق كبير بين إيقاع الفيلم و مونتاجه، فالإيقاع عنصر أشمل كثيرا من المنتاج، فالإيقاع يحتوى بداخله على المونتاج، الميزانسين، مكونات و فضاءات الصورة/ الكادر، الموسيقى التصويرية و أخيرا الحدث نفسه.
أما عن فنية الفيلم فتاركوفسكى لا يمانع بالتأكيد وجود أيدولوجيا معينة بفيلمه و لكنه يمانع أن تحجب هذه الأيدولوجيا فنية الفيلم، فالعمل الفنى أولا و أخيرا عملا فنيا و ليس مانفيستو ( بيان ) يقدمه الفنان لإقناع الناس بأيدولوجيته، و رأى تاركوفسكى هذا يهدم تماما رؤية ماركس/ إنجلز للفن التى يقوم عليها التنظير الماركسى للفن.
يتضح ذلك فى قول أندريا ريبلوف: لا أستطيع أن أرسم هذا. أنى لا أتفق معى. ألا تفهم أنى لا أريد أن أرهب الناس؟
الدين ليس إرهابا، ليس حرقا و تقطيعا للأوصال، ليس رجما بالأحجار و كما يقول السيد المسيح " من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر ". الأمير يخطئ، محاكم التفتيش تخطئ، السلطات تخطئ. و المسيح/ الفنان/ أندريا ريبلوف هو وحده الذى يصلب من أجل مبدأه الأخلاقى الذى يعيش من أجله/ الذى يبدع من أجله.
الفنان قد خلق لأن العالم ليس كاملا. الفن سوف يصبح بلا جدوى إذا كان العالم كاملا، فإذا كان العالم كاملا، سيكون عالما مملا، لن يثير الإنسان المبدع/ الفنان. فالإنسان لن يحس بالتناغم الموجود فى العالم لكن سيعيش فيه فقط بشكل سلبى و لا مبالى.
الفن يولد فقط من عالم غير مكتمل، عالم ناقص، عالم عشوائى..... عالم فاسد.
لا تهم النتائج، فنحن لن نستطيع التحكم فيها و إنما سنكون مسؤلون فقط عن اختيار تأدية أو عدم تأدية واجبنا بمحض إرادتنا ( النحت فى الزمن ) مرة أخرى يتفق تاركوفسكى مع كانت و يتفق أيضا هنا مع ماركس الذى يقول بدوره أن " الحقيقة توجد فى الطريق مثلما توجد فى نهاية المطاف ".
نعود إلى الفيلم فنرى أن تاركوفسكى يقصد بفنية الفيلم كماله كفيلم، فالفيلم فى فترة زمنية سابقة ( القرن الثانى عشر الميلادى )، يتطلب ذلك من المخرج أن يحاكى الواقع الماضوى من ديكورات و ملابس و اكسسوارات...... إلخ.
و تتجلى حرفية تاركوفسكى أنه بعكس كل المخرجين قد تقمص هذا الزمن، مثلما فعل أورهان باموق، فقدم لنا كيف كان الناس يعيشون، يرفهون عن أنفسهم، احتفالتهم، طقوسهم، بل قدم الأخص من ذلك، قدم كيف يرسمون، ينحتون، يصنعون الأجراس، ينقشون عليها، يبنون الكنائس و الكتدرائيات، و يطيرون البالونات. قدم كل ذلك بإقتدار و بدون إقحام.
و بإختياره لموسيقى هى لهذا الزمن أقرب، موسيقى هادئة، آدمية، طبيعية و وترية فى الأغلب مما يدخل المشاهد فى هذا الزمن ليخرج منه بنهاية الفيلم فقط. و قد استخدم أيضا تاركوفسكى اللونين الأبيض و الأسود فقط كى يجعل المشاهد يشعر أنه خرج من زمنه الحالى إلى هذا الزمن السردى بل و ليجعل من قصة أندريا ريبلوف ملحمة رغم عدم بطوليته.
أن فيلم أندريا ريبلوف يتكلم عن الفن/ الرسم/ نحت الأجراس و الفيلم نفسه مصنوع بفن رغم غياب الألوان المقصود، كل كادر هو لوحة فنية، كل كادر به تناسق و تناغم موجود بالحياة و لكن عين/ حواس الفنان فقط هى القادرة على قنصه و تكوينه فى عمل فنى.
إيقاع الفن الشعرى الذى تأثر به تاركوفسكى بشعر الهايكو اليابانى و شعر أبيه تاركوفسكى. هذا الإيقاع الشعرى المخالف تماما لإيقاعات المخرجين الآخرين هو ما قد ميز تاركوفسكى و أتباعه كالمخرج البولندى كازلوفسكى فى مقابل أنواع الفيلم الأخرى لمخرجين آخرين التى تعتمد أساسا على القصة/ على الحبكة/ على الذروة/ على الحركة/ على الشخصيات/ على النهايات السعيدة و المألوفة/ على الحدث/ على الأدب.
تلك السينمات أستطيع أن أسميها من مخلفات الأدب. و حتى اليوم الكثيرون مقتنعون أن السينما تقوم على الأدب/ على النص الأدبى/ على السيناريو، لكن السينما ليست من مخلفات الأدب، هى كائن مستقل تماما عن الأدب، أن السينما لها قدرات أخرى مختلفة تماما عن الأدب، هذه القدرات لم تستخدم بأكملها بعد، فالسينما قد فقدت مئة عام أو يزيد من عمرها بسبب سلوكها دربا ليس بدربها، بل درب فن آخر قد سبقها و هو الأدب. و أظن أنه قد حان الوقت كى تسير السينما فى دربها المستقل/ فى درب الصورة و ليس الكلمة.

21.10.07

وطن


هاك امرءًا يبيع بلده مقابل أربعة بنسات و يخر على ركبتيه و يشكر المسيح العظيم لأن له وطنا يبيعه.


جيمس جويس/يوم اللبلاب فى غرفة الاجتماع

11.9.07

خليك معايا يا حبيبى مهما كان


_خليك معايا_


ولا اي كلمة حب اتقالت في يوم ما بين اتنين

تسوى حلاوة كلمة منك قلتهالي

عيد قلت ايه كدة تاني وتالت انا قلبى كلة حنين

ولايطفي ناره حبيبي غير لوعدتهالي

عارف بتعمل فيا ايه كلمة حبيبي

زي اللي اول مرة بيحس بأمان

خليك معايا

خليك معايا يا حبيبي مهما كان

خليك معايا

ياحلم عمري اللي فخيالي من زمان

عارف انت اجمل حاجة تفرح الواحد هية ايه

ان اللي ياما حلمت بيه تلاقيه حبيبك

وانا عشت بحلم باللحظة دي دة اللي بدور عليه

انا اسيب حياتي ودنيتي ولا يوم اسيبك

عارف بتعمل فيا ايه كلمة حبيبي

زي اللي اول مرة بيحس بأمان

خليك معايا

خليك معايا يا حبيبي مهما كان

خليك معايا

ياحلم عمري اللي فخيالي من زمان

خليك معايا

خليك معايا يا حبيبي مهما كان

خليك معايا

ياحلم عمري اللي فخيالي من زمان

خليك معايا

خليك معايا يا حبيبي مهما كان

خليك معايا

ياحلم عمري اللي فخيالي من زمان


عمرو دياب

7.9.07

الطريق إلى آتون


الطريق إلى آتون


رينو

و بعد ذلك أخرج أحمد زجاجة " البلاك لابل " من تحت المقعد ، فتح الغطاء الدوار ثم ناولها لسارة التي تجلس بالمقعد المجاور . وضع أحمد يديه علي مقود السيارة الرينو موديل ميجان منتظرا دوره في الخطة التي سينفذونها حرفيا لأفراغ الزجاجة . فالزجاجة مؤرقة لهم طالما بها هذا السائل و الأفضل أن تنهى ، فقد قال له عمه يوما أنه أن لم تنفذ الزجاجة حين فتحها فأن من اشتركوا بها تصيبهم اللعنة . لم يعلق يومها أو يسأل ما تصور عمه لهذه اللعنة ، لأنه لم يكن بوعيه الكامل حينها ، بل لم يكن بوعيه تماما حينها . يمتاز أحمد بالوسامة التي ورثها من كلا أبويه ، فقد ورث طول القامة عن أبيه و محاسن الوجه عن أمه و حدته عن أبيه ، أحمد من الطلاب التي لا تنظر إلي درجاتها و لكنها تنظر إلي نجاحها أو رسوبها لأنه مدرك أنه سوف يدير أي شركة من الشركات التي يملكها أبيه بعد تخرجه و لذلك أول شئ فعله البارحة بعد أن عرف أنه نجح و تخرج ، هو الذهاب إلي أول " سايبر كافيه " و طبع ورقة مكتوب عليها " جاست جراتواتت just graduated" و تعليقها علي زجاج سيارته الخلفي . تناول الزجاجة مرة أخرى من المقعد الخلفى و بدأ يعب منها .

04:00:00

الزمن بالنسبة لها ليس مهما و لذلك تضعه في بطرمان زجاجى و تضيف عليه ماء و ملح كي يتخلل . سارة قوسية البرج ، و لذلك تعشق أن تكون وسط مليون شخص يرمقونها بنظرات الإعجاب قبل التقدير . و هكذا لا يختارها أحد بل هي التي تختار ، فأختارت أحمد كي يكون رفيقها و لكنها في أعماق ذاتها كانت متيقنة أنه لن يصمد كثيرا و أنها ستتركه قبل مرور ثلاثة أشهر ، و حينها ستضيفه إلي مجموعتها ، كأي حيوان ينضم إلي حديقة حيوان مفتوحة . ضحكت من أنفها و هي تهز كتفيها عندما سمعت يوسف يقبل بشري في المقعد الخلفي .

بشري

بالكاد سمعت بشري صوت الطائرة التي تقلع بالقرب منهم ، فشتاء أكتوبر أرغمهم علي إغلاق زجاج السيارة بينما حالتهم المزاجية رحبت بهذا ، بشري أقل فتنة من سارة و الحديث عنها يستحق قصة أخرى . و لكنها تعشق شراء الملابس و الإكسسوارات و رغم أن سارة صديقة عزيزة جدا لها إلا أنها لا تحب أن تخرج معها لشراء الملابس ، فلقد ذهبت مع سارة يوما إلي " سيتي ستارز " فأرغمتها علي شراء ملابس لم تعجبها و أقصتها عن شراء ملابس عشقتها ، معللة فعلها ذلك أنها – سارة – تفهم أفضل منها في الأذواق و الموديلات و أنها يجب أن تختار تلك الملابس كي تبرز جمالها الخافت الذى لا يضاهى بجمالها الجلى ، هكذا وضحت لها .

الخوف غشاوة تحجب عنا كل حسن و قبيح .

يجلس يوسف خلف سارة مباشرة ، رفع يده ليعانق بشرى فأرتطمت يده اللا مبالية بجريدة " مارينا رايح جاى " المركونة بين سماعتى السيارة . بدأ في تلمس أكتاف بشرى راسما بعقله طريق محددا يسلكه كي يصل إلي نقطة النهاية بجسد بشرى و كأنه " كلومبوس " يبحث عن كنوز العالم الجديد . و فجأءة سمع صوت كصوت صرصار الليل . قطب حاجبيه فتناثر الصوت فتاتا ، أخرج من جيبه قرص " ترامادول " ، كسره نصفين ، ابتلع نصفه ثم ناول أحمد النصف الأخر الذي كان منهمكا في مداعبة شفتى سارة .

محاولات مستمرة ( غير مستمرة ) للخروج / لتعدى مستنقع الأحلام إلي مستنقع الواقع .

رجع صوت صرصار الليل يشدو مرة أخري ، و بعد ثوان قليلة سمع أحمد و سارة و بشرى و يوسف صوت ثلاثة طرقات متتابعة علي زجاج السيارة ، فنظر كل إلى زجاج نافذته و لكنهم لم يجدوا شيئا ، أبتسموا في سخرية و تهيئوا للعودة إلي حياتهم الطبيعية ، كان أحمد معجبا ببشرى و لكن أعجابه هذا تضائل مع ظهور سارة بحياته ، نظر إلي بشري عبر المرآه ، فتلاقت عينيه الزرقاء بعيناها البنية اللون ، ابتسمت له بشرى و يوسف ما زال يلثم وجنتيها ، كانت بشرى تعرف أن أحمد معجبا بها و لكن نظرته هذه كانت اجرأ و أكثر ثباتا و لكنها قررت أن تتجاهل هذا ، فأتسعت ابتسامتها أكثر ، صدرت طرقات ثلاثة أخري علي زجاج السيارة و لكن هذه المرة أدركوا أين ينظروا ، أدرات بشرى عنقها إلي الخلف فرأت رجل طويل و قد أحنى ظهره كأنه يضاجع السيارة ، و بسبب لوحة التخرج ظهر وجهه فقط و أختفي بقية جسده ، حينها عرفت بشرى إلى ماذا كان يحدق أحمد ، إلي هذا الشخص الذي أتى من حيث لا يدرى . تحرك الرجل بجهة زجاج أحمد ، ثم وقف قبالته . قال له يوسف " أفتح له الزجاج " . نظرت سارة إلي الرجل فتذكرت النساء العاريات المرسومات علي جدار " كازينو رمسيس " . فتح أحمد الزجاج ، فخفض الرجل رأسه ثم قال بصوت هادئ " أرجو منكم مغادرة هذا المكان ، فقد أزعجتمونى " . فتح يوسف زجاج نافذته ، و صرخ بالرجل " ملعون أبيك ، هذا ليس منزلك كى تطردنا منه " . أشار الرجل إلي الظلام و قال " بل هذا هو " نظروا إلي الجهة التي أشار إليها فلم يجدوا شيئا " فقالت بشرى " لاشئ هناك " ردت سارة " بلي ، يوجد عمود وحيد " نظروا مرة أخري ، فوجدوه ، قال أحمد للرجل " لا توجد منازل هناك ، فقط ذلك العمود " رد الرجل " منزلي فوق هذا العمود " ضحكوا ساخرين بينما الرجل محدق في اللا مجال . لطم يوسف راحة يده اليسرى بقبضة يده اليمنى ، ثم قال " إذا لم تغادر فسوف أقطم لك عنقك " أقترب من وجه أحمد أكثر ثم همس " ألست خائفا " رد أحمد ساخرا " بل مرعوب " ثم أردفت سارة ساخرة " مصعوقة من الخوف " و كأنهم فرقة غنائية تتناوب الغناء ، أضافت بشري ساخرة " مذهولة من الرعب " فأنهي يوسف مكملا و هو ينام علي صدر بشري غامضا عينيه " بل ، لقد غشي علي من الخوف " . أقترب الرجل من نافذة يوسف ، فوجده نائما علي صدر بشري كالمغشى عليه ، تراجع ثلاثة خطوات إلي الخلف ، و فجأة أنهالت صقور كثيرة علي السيارة حاشرة بنفسها إلي داخل " الرينو " من نافذة يوسف ، حينها بدأ يوسف يصرخ متألما و بدأت بشرى و سارة تصرخا من جراء الخوف . فقد كانت الصقور تلتهم يوسف . تلتهم جسده بسرعة ، حتي عظامه التهمتها فكان لا موجودا في غضون دقائق قليلة ، تجمدوا في أماكنهم بينما الرجل الشاحب الوجه يقف بجوارهم ، بدأت الصقور في الخروج من النافذة و وقفوا بجواره ، كانوا كثيرون ، حاولت بشرى أن تحصيهم و لكنها فشلت. قال الرجل بعد فترة جمود "هل جربتم أن تستمتعوا بأقل القليل ، أقل ضوء ممكن ، أقل حركة ممكنة ، أقل تنفس ممكن ، أقل تفكير ممكن ، أقل حياة ممكنة ، هذه ليست دعوة للموت و لكنها دعوة لإستكشاف منطقة أخري من الحياة . منطقة بها . . . . . " توقف الرجل عن الكلام عندما حاول أحمد أن يدير السيارة ، توقف عن خطبته كتوقف الأصدقاء عن زيارة صديقهم الميت ، أبتسم لأحمد ثم قال " لن تذهبوا لأي مكان آخر " . كان أحمد يشعر بذنب يوسف ، فيوسف كان يريد أن يذهب إلي " كازينو آتون " مباشرة و لكن أحمد أقترح عليهم أن يقفوا قليلا في مكان مقفر حتى يحتسى زجاجة " البلاك لابل " . ألح عليه الذنب بألم بركبته ، فقد ماتت أمه عند ولادته و مات أخيه في حادث سيارة كانت تحملهما معا بينما هو جرح بركبته فقط . تحرك الرجل حتى تعداهم و تلاشى فى الظلام و بعد لحظات لاحظوا أن العمود يعلو أكثر ، التفتوا إلي صوت رفرفة أجنحة الصقور التي كانت تقلع إلي جو أعلى . و عندما أختفت الطيور عائدة إلي السماء ، ألتفتوا إلي العمود ، فلم يتبينوه ، حدقوا و حاولوا استبياته و لكنهم فشلوا ، و كأن الظلام أحتضنه ، جلسوا مذهولون ، لا يدرون ماذا يفعلون و بينما هم كذلك بدأ الفجر الكاذب في البزوغ ، أخرجت سارة هاتفها النقال ، فسألها أحمد " ماذا ستفعلين ؟ " ردت " سوف أتصل بأبى كي يأتى إلينا " قال لها " و ماذا ستقولين عندما يسألك ماذا حدث ليوسف ؟ " قالت بشري " و لكن لا أحد يعرف أن يوسف معنا " ثم أكملت قائلة " حاول إداره السيارة مرة أخرى " أدار أحمد السيارة ، فدارت ، رفع عصا الفرامل اليدوية ثم داس علي دواسة البنزين . قالت بشرى " لا داعي أن نتكلم مع أي شخص عن ما حدث . و إذا سؤلنا عن يوسف فلنقل أننا لم نره اليوم " أوصل أحمد بشري إلي مساكن الشيراتون ثم أوصل سارة إلي شارع الحجاز ، و بدون أن تصافحه أو تقبله خرجت سارة من السيارة ثم مالت برأسها و قالت له " سأتصل بك غدا ! " .
و لكنها لم تتصل به ، كما أن بشرى لم تتصل بأى منهم ، فلقد وجدتهم أمهاتهم و قد فارقت أرواحهم أجسادهم بينما هم نيام ، و وجد الناس أحمد نائما في سيارته ، فأتصلوا بالشرطة و عندما وصلت ، كان ميتا بسيارته الرينو و كانت توجد دماء غزيرة تلطخ دواستي البنزين و الفرامل ، غارقة بهذه الدماء ساقه المفصولة عن فخذه عند الركبة .

محمد سيد عبد الرحيم

4.9.07

الطيب صالح.. لك حتي الممات


لك حتي الممات


كانت تعمل كاتبة اختزال في شركة التليفزيون. وكانت تسكن مع عائلة في فينشلي، وتقضي عطلات الاسبوع مع أسرتها في سيد كب، ولم يكن يبدو انها متعلقة بأهلها كثيرا.التقيا عشية رأس سنة 1959، في حفلة رقص نظمها معهد الدراسات الشرقية بجامعة لندن.'ماذا تدرس؟''أعد رسالة الدكتوراة في التاريخ'كان رقصه فظيعا، لكن معرفته باللغة الانجليزية كانت جيدة. بدا صغير السن جدا وربما كان هذا مظهرا خادعا. وكان صوته عذبا، ورائقا للأذن. كانت أميل الي البدانة، فأعجبه ذلك. كانت تقاطيع وجهه وسيمة حادة، الأمر الذي لم يغب عنها.
وأعطي كل منهما الآخر رقم تليفونه.
بعد ثمانية أشهر حصلت المعجزة. ومع هذا
قالت: 'لست أدري'.
قال: 'أنا أيضا لست أدري'.
'عد إلي بلدك، وأنا سأسافر الي كندا ربما'.
وهكذا عاد ليدرس التاريخ في احدي المدارس الثانوية.
وكتبت له من كندا تقول انها قد حصلت علي وظيفة في شركة الاذاعة الكندية وأن الحياة في أوتاوا لا بأس بها.
وكتب لها رسائل طويلة تلتهب عاصفة، وكان يختمها دائما بقوله: 'لك حتي الممات' قد يخيل اليك انه كان يبالغ.
كتبت تقول: 'الراتب جيد، وكندا ممتعة، لكن لماذا علينا أن نكون بعيدين هذا البعد واحدنا عن الآخر؟'.
أجاب: 'لأنه من جهة، ليس من العدل أن أجرجرك الي هذا المكان، البالغ الحرارة والكثيف الغبار، ولأني فقير لا أستطيع أن أثقل ضميري بك'.
وكانت الرسائل تحمل الحب من افريقيا الي كندا، ومن كندا الي افريقيا بانتظام.
وكان الحب يشتد هكذا كانت تقول الرسائل وأستطيع أنا أن أصدق ذلك.
مات بالالتهاب السحائي في صيف .1951
ولم يخبرها أحد.
ظلت بعد هذا بأشهر تواصل الكتابة وتسأل: 'لماذا لا تجيب؟ أم أنك لم تعد تحبني؟'.
ثم توقفت عن الكتابة.


الطيب صالح

ورقة.. نزار شهاب الدين


ورقة


(1)


الطابقُ العاشرُ بعدَ الطابقِ الأخيرْ

لا بدّ أن أقابلَ المديرْ

...في البدءِ كانت ورقةْ

أحملها بمنتهى الثقةْ

أدفعُ عني سطوةَ الشمسِ بها

أو أُبعدُ الذبابةَ المقلقةْ

أرفعها تحيةً للأصدقاء في مرحْ

فيسألون في فضول

ْلكنني – دونَ اكتراثٍ – أقولْ

"ليست سوى ورقةْ"

... علمتُ فيما بعدُ أننيغِرٌّ جهولْ!

(2)

الطابق العشرون بعد الطابقِ الأخيرْ

"معذرةً سيدتي .. هل تعلمين أين مكتبُ المديرْ؟

"في البدء كانت مصلحةْ

أوقفني ببابها شيخٌ

ثيابه ورقْ

و فوقَها مرسومةٌ بالحبر رَبطةُ العنقْ

"يا ولدي .. خذ من (أخيك) حكمةً صالحةْ

لا يعرف الوصول من لا يعرف الأملْ

فانزعْ عباءةَ المللْ

و اقرأ على أوقاتك الفاتحةْ

يا ولدي

رياضتان لا غنى للمرء عنهما

الجريُ و

خاب من كانا معهْ

في هذه المعركةِ الطامحةْ

(3)

الطابقُ المليونَ بعد الطابق الأخيرْ

لا بد أنه الحبورْ

ما لي أحس أنني أطيرْ؟!

أم أنه فيضٌ مباركٌ

من مكتب المديرْ؟؟!

في البدء كان مكتبُ المديرْ

و قبله أصابعٌ تشير دائمًا لأعلى

و سُلّمٌ لا يرحم الشيخَ الكبيرْ!

نزعت من ملابسي قصاصةً من ورقْ

جفّفتُ عن جبينيَ العرقْ

أَعَدْتُ رسمَ رَبطةِ العنقْ

قرأتُ – في صوتٍ خفيضٍ – سورةَ الأعلى

طرقتُ بابهُ

فتحتُ في كلِّ هدوءٍ و (أدبْ)

لكنه أشار أيضًا في هدوءٍ و أدب

ْللطابق الأعلى ...!

(4)

مرتْ جوارَ كتفي طائرةٌ .. فلم أبالِ

لوّث سترتي ترابُ نيزكٍ

فلم أبالِ

أشار لي ركابُ مكوكِ الفضاءِ من نوافذِهْ

فلم أبالِ

قد قال لي الفَرَّاشُ

– بعدما حشوتُ جيبَهُ –

أنْ واصِلِ الصعودْ

و هكذا أُواصلُ الصعودْ

في حكمةٍ و طولِ بالِ ...
نزار شهاب الدين

31.8.07

ديوان تعود أن تموت لعادل محمد




تدعوكم جماعة مغامير الأدبية


و الشاعر المغمور د/عادل محمد


لحضور مناقشة ديوانه


تعود أن تموت


الصادر عن دار أكتب للنشر


بساقية الصاوى


الأحد 2 سبتمبر


الساعة السابعة مساء


بقاعة الكلمة








و نظرا لأن أفضل شئ للتعبير عن الشئ هو الشئ نفسه


فأترككم مع نص للشاعر عادل محمد




تعوّد أن تكونَ لديك
.. ككلّ الأخريات لديك
كأنّك لم تكنِ تهوى
.. ولم تجعل لها عينيك
كأنّ العمر كان سُدىً
.. وحبّك في ضمير الأيك
زرعتَ ربيعَهُ عشقاً
.. ليسقط في الخريف عليك
غداً إذ ما تقابلها
.. تمالك قلبك المهزوز
ورعشة صوتك الباكي
.. ونزفة حبّك الموخوز
توهّم أنّها أخرى
.. إذا معها الخيال يجوز
ستعرف من حلى يدها
.. الذي بالأمنيات يفوز
بعمرك كن حياديا مع الذكرى
مع ما كان ..
ما قد كان سوف يكون ..
ما لم – بينكم – يكنِ
ومرّ على رسائلها مرور الغافل الفطنِ
تنكّر وجهها المنثور فوق قصيدة الوطن
وسلها عنه في شغفٍ ويوم زفافها.. غنِّ
تعوّد لا تقل " نحن "
.. وعُد بضميرك المفرد
له حقّ امتلاك الحلم
.. وأنتَ عليك أن تشهد
وحيداً تحمل المأساة
.. ورغم حريقها تصمد
فقدت بكارةً معها
.. عساك اليوم أن ترشد


30.8.07

نجيب محفوظ... مات


أشعر بالذنب الشديد، أشار على محمد طلبة أن نذهب لمستشفى الشرطة بالعجوزة كى نطل على نجيب محفوظ। كان متيقن من موته القريب، و كنت مهتما جدا و لكن الصباح التالى كان اهتمامى قد ولى، كعادتى الغبية। سافرت بعدها مع أصدقائى إلى الأسكندرية و أنقطعت برغبتى و رغم عنى عن كل الأخبار। أصدقائى هؤلاء ليست لهم أى علاقة بالأدب و بالفن بشكل عام। و لكن عندما مات محمد عبد الوهاب لاعب النادى الأهلى تلهفوا لشراء الجريدة، حينها فقط عرفت أنه مات، مات نجيب محفوظ بدون أن أراه، مات بدون أن أنتهى من قراءة كل ما كتبه، مات بدون أن أقابله। اثنين أردت مقابلتهم عبد الرحمن بدوى الفيلسوف المصرى و نجيب محفوظ و لكنى لم أنل أى منهم। حسنا فليكن يومى هذا لقراءة نجيب محفوظ فقط، فربما يرطب هذا من غبائى। لم أجد خيرا من وضع قصة قصيرة لنجيب محفوظ احتفالا بموته। نعم احتفالا।



الحاوي سرق الطبق .. قصة قصيرة

نجيب محفوظ

قالت لي أمي: - آن لك أن تكون نافعاً. ودست يدها في جيبها وهي تقول: - خذ هذا القرش واذهب لتشتري الفول، لا تلعب في الطريق وابتعد عن العربات. تناولت الطبق ولبست قبقابي وذهبت وأنا أترنم بأغنية. وجدت زحاماً أمام بياع الفول فانتظرت حتى عثرت على منفذ إلى الطاولة الرخامية وهتفت بصوتي الرفيع: - بقرش فول يا عم. سألني بعجلة: - فول خالص، بزيت، بسمن؟ لم أجد جواباً، فقال لي بخشونة: - وسع لغيرك. تراجعت مسحوباً بخجلي وعدت إلى البيت خائباً فصاحب بي أمي: - راجع بالطبق فارغاً، دلقت الفول أم ضيعت القرش يا شقي؟ فتساءلت محتجاً: - فول خالص، بزيت، بسمن ، لم تخبريني !!- يا خيبة، ماذا تأكل كل صباح؟ - لا أعرف ..- خيبة .. خيبة، قل له فول بزيت .. مضيت إلى البياع وقلت له: - بقرش فول بزيت يا عم. سألني مقطباً نافذ الصبر: - زيت حار، زيت طيب، زيت زيتون؟ بهت فلم أحر جواباً أيضاً فصاح بي: - وسع لغيرك ..رجعت مغيظاً إلى أمي فهتفت داهشة: - عدت كما ذهبت، لا فول ولا زيت. فقلت بغضب: - زيت حار .. زيت طيب .. زيت زيتون .. لِمَ لَمْ تخبريني؟ - فول بزيت يعني فول بزيت حار ..- إيش عرفني ؟ - أنت خيبة وهو رجل متعب، قل له بزيت حار. ذهبت مسرعاً وهتفت بالبياع وأنا على مبعدة أمتار من دكانه: - فول بزيت حار يا عم. - وقفت ورأسي بحذاء الطاولة الرخامية وأنا ألهث، وكررت بانتصار: - فول بزيت حار يا عم. دس المغرفة في القدر وقال: - ضع القرش على الرخامة. وضعت يدي في جيبي فلم أعثر على القرش. فتشت عنه بقلق. قلبت الجيب ظهراً لبطن ولكني لم أجد له أثراً. استرد الرجل المغرفة فارغة وهو يقول بقرف: - ضيعت القرش، أنت ولد لا يعتمد عليك. نظرت فيما تحت قدمي وحولي وأنا أقول: - لم أضيعه .. كان في جيبي طول الوقت.- وسع لغيرك وقل يا فتاح يا عليم. عدت إلى أمي فارغاً فصرخت في وجهي: - يا خبر أسود، أنت يا ولد عبيط؟ - القرش. - ماله؟ - ليس في جيبي. - اشتريت به حلوى؟ - أبداً والله. - كيف ضاع؟ - لا أعرف. - تقسم على المصحف أنك لم تشتر به شيئاً؟ - أقسم ..- جيبك مثقوب؟ - أبداً. - ربما تكون أعطيته للبياع في المرة الأولى أو الثانية؟ - يمكن. - ألست متأكداً من شيء؟ - أنا جائع ! ضربت كفاً بكف وقالت: - أمري لله، سأعطيك قرشاً آخر ولكني سآخذه من حصالتك، وإن عدت بالطبق فارغاً سأكسر رقبتك. وذهبت جرياً وأنا أحلم بفطور لذيذ. وعند المنعطف المفضي إلى حارة البياع رأيت حلقة من الصبيان والأطفال وسمعت تهليل أفراح. ثقلت قدماي وشد قلبي إليهم. على الأقل ألقي نظرة عابرة. اندسست بينهم، فإذا بالحاوي يطالعني. عمرتني فرحة مذهلة. نسيت نفسي تماماً. استمتعت بكل قوة بألعاب البيض والأرانب والحبال والثعابين. ولما اقترب الرجل ليجمع النقود تراجعت هامساً "لا نقود معي". انقض علي متوحشاً. تخلصت منه بصعوبة، جريت ولكمته تشق ظهري، ولكني سعدت للغاية، وذهبت إلى البياع وأنا أقول: - بقرش فول بزيت يا عم. جعل ينظر إلي ولا يتحرك، فكررت الطلب فسألني بغيظ: - هات الطبق .. - الطبق؟ . أين الطبق؟ . سقط مني وأنا أجري؟. خطفه الحاوي؟. - أنت يا ولد عقلك ليس في رأسك ! عدت أفتش في الطريق على الطبق المفقود. وجدت موضع الحاوي خالياً ولكن أصوات الأطفال دلتني عليه من حارة قريبة. درت حول الحلقة. لمحني الحاوي فصاح بي مهدداً: - ادفع أو فاذهب أحسن لك. فهتفت بيأس: - الطبق !- أي طبق يا بن الشياطين؟- رد لي الطبق. - اذهب وإلا جعلتك طعاماً للثعابين. إنه سارق الطبق. ولكني ابتعدت عن مرمي عينيه إتقاء شره. ومن القهر بكيت. وكلما سألني مار عما يبكيني قلت له: "خطف الحاوي الطبق". وانتبهت من كربي على صوت يقول "تفرج يا سلام". نظرت خلفي فرأيت صندوق الدنيا قائماً، ورأيت عشرات من الأطفال تهرع إليه. وتتابع وقوف المشاهدين أمام عيني الصندوق وراح الرجل يشرح الصور بإغراء "عندك الفارس الهمام، وست الكل زينة البنات". جفت دموعي وتطلعت إلى الصندوق بشغف. نسيت الحلوى تماماً والطبق. لم أستطع مقاومة الإغراء. دفعت القرش ووقفت أمام العين إلى جانب بنت وقفت أمام العين الأخرى. تسلسلت أمام ناظري صور الحكايات الخلابة. ولما عدت إلى دنياي كنت فقدت القرش والطبق ولم يعد للحاوي من أثر. لم أفكر فيما فقدت واستغرقتني صور الفروسية والحب والصراع. نسيت جوعي. حتى المخاوف التي تتهددني في البيت. نسيتها. تراجعت لأستند إلى جدار أثري كان يوماً ما مبنى لبيت المال ومقراً للقاضي، واستسلمت بكليتي للأحلام. حلمت طويلاً بالفروسية وزينة البنات والغول. وتكلمت في حلمي بصوت يسمع ولوحت بيدي بأكثر من دلالة. وقلت وأنا أدفع بالحربة الخيالية: - خذ يا غول في قلبك. وجاءني صوت رقيق قائلاً: - ورفع زينة البنات خلفه فوق الحصان !نظرت إلى يميني فرأيت الصبية التي زاملتني في الفرجة. تبدت في فستان متسخ وقبقاب ملون وهي تعبث بضفيرتها الطويلة. وفي يدها الأخرى حبات بيضاء وحمراء من "براغيث الست" تستحلبها على مهل. تبادلنا النظر. مال قلبي إليها فقلت: - نجلس لنستريح. بدت مستسلمة لاقتراحي فأخذتها من ذراعها ودخلنا من بوابة الجدار الأثري فجلسنا على درجة من سلمه الذي لا يفضي إلى شيء. سلّم يرتفع درجات حتى ينتهي إلى بسطة تلوح وراءها السماء الزرقاء والمآذن. جلسنا صامتين جنباً إلى جنب. قبضت على يدها وجلسنا صامتين لا ندري ماذا نقول. وتناوبتني مشاعر غريبة وجديدة ومبهمة. قربت وجهي من وجهها فشممت رائحة شعرها الطبيعية تخالطها رائحة ترابية وعبير أنفاس ممزوج بشذا الحلوى. قبلت شفتيها. ازدردت ريقها الذي اقتبس مذاقاُ حلواً من ذوب براغيث الست. أحطتها بذراعي دون أن تنبس بكلمة أقبل خدها وشفتها، فتسكن شفتاها عند تلقي القبلة ثم تعودان إلى استحلاب الحلوى. وقررت أخيراً أن تقوم. قبضتُ على ذراعها بجزع وأنا أقول: - اجلسي. فقالت ببساطة: - أنا ذاهبة. فسألتها بضيق: - إلى أين؟ - إلى أم علي الداية. وأشارت على بيت يقيم أسفله كوّاء بلدي. - لماذا؟ - لأقول لها أن تأتي بسرعة. - لماذا؟ - أمي تصرخ في البيت. قالت لي اذهبي إلى أم علي الداية وقولي لها أن تأتي بسرعة. .. - وستعودين بعد ذلك؟ فهزت رأسها بالإيجاب وذهبت. تذكرت بذكر أمها أمي. انقبض قلبي. غادرت السلم الأثري عائداً إلى البيت. بكيت بصوت مرتفع وهي طريقة مجربة أدافع بها عن نفسي. توقعت أن تجيئني ولكنها لم تأت. تنقلت بين المطبخ وحجرة النوم فلم أعثر لها على أثر. أين ذهبت الأم؟ ومتى ترجع؟ وضقت ذرعاً بالبيت الخالي. وخطر لي خاطر طيب. أخذت من المطبخ طبقاً ومن حصالتي قرشاً وذهبت من فوري إلى بياع الفول. وجدته نائماً على أريكة أمام الدكان مغطياً وجهه بذراعه. اختفت قدر الفول وأعيدت قوارير الزيت إلى الرف وغسلت الرخامة، اقتربت منه هامساً: - يا عم .. فلم أسمع إلا شخيره. لمست كتفه فرفع ذراعه في انزعاج وطالعني بعينين حمراوين: - يا عم .. انتبه إلى وجودي وعرفني فسألني بخشونة: - ماذا تريد ؟ - بقرش فول بزيت حار ..- هه؟ - معي القرش ومعي الطبق. صرخ في وجهي: - أنت مجنون يا ولد، اذهب وإلا كسرت دماغك. ولما لم أتحرك دفعني بيده دفعة قوية ألقتني متقهقراً على ظهري. نهضت متألماً وأنا أقاوم البكاء الذي يلوي شفتي. ويداي قابضتان إحداهما على الطبق والأخرى على القرش. رميته بنظرة غاضبة. فكرت في عودة خائبة يائسة، ولكن أحلام الفروسية عدلت من خطتي. صممت واتخذت قراراً سريعاً. وبكل قوة ساعدي رميته بالطبق. طار الطبق فأصاب رأسه. ركضت بسرعة لا ألوي على شيء. وملأني اليقين بأنني قتلته كما قتل الفارس الغول. ولم أتوقف عن الجري إلا على مقربة من الجدار الأثري. نظرت خلفي وأنا ألهث فلم أر أثراً لمطاردة. وقفت حتى تمالكت أنفاسي ثم ساءلت نفسي ما العمل وقد ضاع الطبق الثاني. وشيء حذرني من العودة المباشرة إلى البيت. وما لبثت أن استسلمت إلى موجة من الاستهانة تحملني إلى حيث تشاء. هي علقة لا أكثر ولا أقل وسأنالها لدى العودة، فلتؤجل العودة إلى حينها. وها هو القرش في يدي، يمكن أن أحظى بمتعة لا بأس بها قبل العقاب. قررت أن أتناسى جريمتي ولكن أين الحاوي، وأين صندوق الدنيا. فتشت عنهما هنا وهناك بلا ثمرة. أرهقني البحث العقيم فمضيت إلى السلم الأثري وراء الميعاد. جلست أنتظر وأتخيل اللقاء. تاقت نفسي إلى قبلة أخرى معبقة بشذا الحلوى. واعترفت فيما بيني وبين نفسي بأن الصبية وهبتني مشاعر لم أجرب أطيب منها من قبل. وفيما أنتظر وأحلم، ترامى إلي همس من الجهة الخلفية. رقيت في الدرج بحذر وعند البسطة الأخيرة انبطحت على وجهي لأرى ما وراءها دون أن يلمحني أحد. رأيت خرابة مطوقة بسور عال، وهي آخر ما بقي من بيت المال ومقر قاضي القضاة. وتحت السلم مباشرة جلس رجل وامرأة. هما مصدر الهمس، أما هو فأشبه بالمتشردين، وأما هي فغجرية من يرعين الأغنام. صوت باطني مريب قال لي بأنهما يجتمعان في "ميعاد" كالذي جاء بي. بذلك تنطق الشفاه والنظرات والأعين ولكنهما على خبرة مدهشة ويفعلان أموراً لا يحيط بها الخيال. شد بصري إليهما مشدوهاً في استطلاع ودهشة ولذة لم يخل من إنزعاج. وجلسا أخيراً جنباً إلى جنب، لم يعد يهتم أحدهما بالآخر. وبعد فترة ليست بالقصيرة قال الرجل: - النقود؟ فقالت بضيق: - أنت لا تشبع. بصق على الأرض ثم قال: - أنت مجنونة ..- أنت لص ..بظهر يده لطمها لطمة قوية. قبضت حفنة تراب وقذفتها في وجهه. انقض عليها بوجه مغبر فأنشب أصابعه في زمارة رقبتها. بدأ صراع جهنمي مرير. ركزت قواها عبثاً لتخليص رقبتها من يده، احتبس صوتها، جحظت عيناها، ضربت بقدميها الهواء. حملقتُ فزعاً أخرس حتى رأيت خيطاً من الدم يتسلسل من أنفها. فرت من فمي صرخة. زحفت إلى الوراء قبل أن يرفع الرجل رأسه. هبطت السلم وثباً وعدوتُ كالمجنون إلى حيث تحملني قدماي. لم أتوقف عن العدو حتى انقطعت مني الأنفاس. جعلت ألهث دون أن أرى شيئاً مما حولي. ولما انتبهت إلى نفسي وجدتني تحت قبو مرتفع يتوسط مفترق طرق. لم تطأه قدماي من قبل ولا فكرة لي عن موقعه بالنسبة لحينا. وكان يقتعد جانبيه شحاذون لا يبصرون. ويعبره في شتى نواحيه الناس فلا يلتفتون إلى أحد. أدركت بخوف أنني ضللت الطريق، وأن متاعب لا حصر لها تتربص بي حتى أهتدي إلى سبيلي. هل ألجأ إلى أحد المارة لأسترشد به؟ ولكن ما العمل لو ساقني الحظ إلى رجل كبياع الفول أو متشرد الخرابة؟؛ هل تقع معجزة فأرى أمي مقبلة فأهرع إليها بكل قلبي؟ . هل أجرب السير وحدي فأتخبط حتى أعثر على أثر أستدل به على طريقي؟. وقلت أن علي أن أحزم أمري، بسرعة ودون تردد، فقد أخذ النهار يولي، وعما قليل سيهبط الظلام من مجاهله. _________________________ - من مجموعة: "تحت المظلة" (قصص قصيرة كتبت سنة 1967 وطبعت لأول مرة سنة 1969).