
ترجمة
محمد سيد عبد الرحيم
خلال القرن الثامن العشر والتاسع عشر وبداية العشرين، كانت الحركات الصوفية الأساسية في أفريقيا وأسيا متعلقة بالتيار الرئيسي للحركات الإسلامية. كان المتصوفة هم صفوة مجتمعاتهم ودائما ما قادوا حركات الإصلاح أو معارضة الطغيان والاحتلال الأجنبي الاستعماري. لذا فلقد كانوا منخرطين في الحركات السياسية كثورتي المغرب والجزائر ضد الفرنسيين وأيضا ساهموا في إعادة بناء المجتمع والحكومة الإسلامية بليبيا التي قادها فعليا أعضاء طريقة السنوسية. في شمال نيجيريا، قاد الشيخ عثمان دان فوديو (ت 1817) وهو أحد أعضاء طريقة القادرية الحرب الدينية ضد حكام الهاب الذين فشلوا في حكم البلاد وفقا للشريعة الإسلامية مما أدى إلى فرض ضرائب تعسفية وفساد عام وظلم ونقص في الأخلاقيات الإسلامية في كلا المستويين الشعبي والحكومي. وفي شرق أفريقيا، حاول الشيخ محمد أحمد المهدي (ت 1885) وهو أحد أعضاء طريقة السمانية معارضة الحكم الاستعماري البريطاني في السودان. ولقد قامت أيضا مثل هذه الظاهرة في الشرق. كمثال، واجه متصوفو طريقة النقشبندية وشاه ولي الله قوى الاستعمار البريطاني بالهند.
وبالتالي لقد عمل المتصوفة في بلاد كثيرة خلال فترة الاستعمار الأجنبي ضد الاحتلال الذي كان يريد تفتيت الدولة الإسلامية محاولين إعادة إحياء وتعزيز الإسلام الأصيل. دائما ما أنشئوا وقادوا المجموعات الاجتماعية القوية، فكان لهم مريدين عظماء في أنحاء كثيرة من العالم. والذي جعل الكثير من هذه الحركات قوية ومتماسكة هو أن الناس خلال القرن التاسع عشر لم يكونوا قابلين للتغير أو التطور، بل لعبت سيطرة وتملك الأراضي مع تأثير التقاليد والعادات الثقافية الراسخة في المجتمع دورا مهما في ركود المجتمع. على أية حال، بدأ الوضع خلال القرن العشرين يتغير تغيرا جذريا وسريعا.
لقد انتهى تقريبا الاستعمار الغربي لمعظم البلاد الإسلامية بنهاية الحرب العالمية الأولى. وبعدها، جاءت العلمانية وغالبا ما عين الغرب أو صدق على حكام عملاء هزليين. وأصبح التأثير والاهتمام بالدين والتصوف ثانوي بسبب التآكل السريع للماضي وللقيم التقليدية وأسلوب حياة الناس وأصبح من الصعب جدا بل ومن الخطورة بمكان أن تتبع سبيل الإسلام الأصيل في كل البلاد الإسلامية. وبالتزامن مع ما يحدث في الشرق، نجد العديد من المنظمات والمجتمعات الروحية تثور في الغرب ودائما ما بدأها طلاب غربيين للمعرفة الروحية. الحقيقة، أن الكثير من الناس في المجتمعات الغربية يعتنقون حركات دينية مزيفة كالبهائية والسوبيدية وأيضا فروع عديدة من البوذية والهندوسية وديانات أخرى ثانوية وجديدة أو إصدارات جديدة أعيد إحياءها من ديانات قديمة، كل هذا إنما يبين العطش الدائم والاهتمام الزائد بالمعرفة الروحية اليوم في الغرب، حيث توجد إصدارات مختلفة من المسيحية التي تعتمد على الذهن أو المشاعر بدلا من أن تعتمد على القلب، فلقد فشلت المسيحية التقليدية في تقديم أي تغذية روحية حقيقية لقرون عدة. ولقد كان للحركات الثيوصوفية والماسونية تأثيرا أكبر من كل هذه الحركات المختلفة. ففي بداية القرن العشرين، نجد اهتماما كبيرا بالروحانية في أوربا وأمريكا الشمالية.
أسهمت أعمال المستشرقين الذين حاولوا استكشاف البعد الروحي في الأديان الشرقية – وإن كان من داخل إطارهم الفكري الخاص – ومنها الإسلام، أسهموا في زيادة الاهتمام بالروحانيات والبحث عن الخبرات الخفية بالغرب عن طريق كتابتهم وترجماتهم للأعمال الأصلية للتراث الشرقي من فن وثقافة وفلسفة ودين. بدأ التصوف يصل إلى الغرب جنبا إلى جنب مع حركات روحية كثيرة أخرى حقيقية ومزيفة. وأيضا تزامن وصول عدد كبير من المعلمين الهنود والبوذيين مع زيادة الاهتمام بالتصوف. وبمنتصف القرن العشرين، ظهر عدد كبير من المجتمعات والحركات الصوفية في أوربا وأمريكا الشمالية، بعضهم قد أنشـأه متصوفة أصلاء والبعض الآخر أنشأه متصوفة مزيفين. وبمرور الزمن، تزايدت المعلومات في الغرب عن التصوف والإسلام بشكل عام. وساعدت أيضا أزمة البترول في الغرب وظهور البترول في عدد من دول الشرق الأوسط في زيادة الاتصال بالشرق الأوسط واللغة العربية ومعرفة معلومات أكثر وأكثر عن الإسلام. وبعدها جاءت ثورة الجمهورية الإسلامية بإيران عام 1979 التي أحدثت منذ بدايتها حتى الآن صحوة واهتمام عالمي بالتراث الإسلامي. والشيء بالشيء يذكر، نذكر المسكن الرسمي للإمام الخميني والمكان الذي كان يجتمع فيه بأنصاره بشمال طهران هو أصلا مسجدا ومحرابا صوفيا. في الواقع، لقد ركز الإمام الخميني على علوم التصوف والغنوصية خلال السنوات الأولي من حياته في المدرسة الدينية بمدينة قم، ولقد اهتمت كتاباته الأولى أشد الاهتمام بالمعاني الباطنية لقيام وصلاة الليل وأيضا بالصحوة الذاتية.
من المهم أن لا نخلط بين المواهب الروحية للمرء والأحداث الظاهرة. فالإمام على وهو سيد المتصوفة كانت أيام حكمه للأمة الإسلامية كلها مليئة بالحروب. فأحيانا ما تربك الأحداث الظاهرة المشهد فتحجب ضوء هؤلاء المتصوفة العظام.
أما عن حالة التصوف في الغرب في الماضي القريب، فنلاحظ في المجمل أن الكثير من المجموعات التي قبلت التصوف من أجل أن تستفيد من انضباطه ومذاهبه وشعائره وخبراته قد بدأت في التحلل. لقد تفتت مجموعات حركة العصر الجديد التي تعتنق العديد من الأفكار المشتقة من التصوف بسبب أن طريقة حياتهم لا تتناغم مع التيار الرئيسي للإسلام الأصيل ووفقا لذلك ليس لديهم الحماية الظاهرة المطلوبة لحماية وتأكيد سلامة الحركة الباطنة. ولذا فخلال العقود القليلة الأخيرة من هذا القرن، لاحظنا أن معظم الحركات الصوفية بالغرب أما أنها أصبحت أكثر قوة بسبب تمسكها بالشعائر الظاهرة للإسلام أو أمست أكثر ضعفا بسبب عدم تمسكها بشعائر الإسلام الظاهرة.
0 comments:
إرسال تعليق