25.12.11

الطيب والشرس والسياسي




"امرأتي المثالية الألمانية" هو اللقب الذي أطلقه هتلر على ليني ريفنشتال المخرجة الألمانية التي قامت بإخراج خمسة أفلام تسجيلية عن الحقبة النازية بألمانيا. وأهمها فيلما انتصار الإرادة والأولمبياد والأخير في جزئين (عيد الشعب وعيد الجمال). وقد اتسمت هذه الأفلام بعدم السعي وراء الحيادية التي تميز الأفلام التسجيلية، فانتقلت بذلك إلى خانة الأفلام الدعائية الموجهة التي تريد تمجيد مرحلة ونظام معين بشكل عام وهو النظام النازي الديكتاتوري وشخص محدد بشكل خاص وهو هتلر.
يعرض هذه الآونة الفيلم التسجيلي "التحرير 2011 – الطيب والشرس والسياسي" الذي يتكون من ثلاثة أجزاء لثلاثة مخرجين مختلفين، ومع ذلك يتناول الفيلم موضوع واحد من ثلاثة وجهات مختلفة وهو موضوع ثورة 25 يناير.
الجزء الأول: الطيب إخراج تامر عيسى يتناول الثورة من جهة الشعب. والثاني: الشرس إخراج آيتن أمين يتناولها من جهة الشرطة. أما الأخير: السياسي إخراج عمرو سلامة فيتناولها من جهة الرئيس السابق حسني مبارك.
استدعيت ليني ريفنشتال عند مشاهدتي فيلم "الطيب والشرس والسياسي"، خاصة بسبب عدم السعي وراء الحيادية، فيقول مثلا أحد ضيوف الجزء الأول من فيلم "الطيب والشرس والسياسي"، وهو مصور فوتوغرافي، أنه عندما سئل لماذا لم يستطلع آراء مناصري مبارك أثناء موقعة الجمل، كان رده أنه لم يحتاج لذلك بسبب تأكده أنهم بلطجية مأجورين. هنا يظهر التخلي عن الموضوعية من أجل الإعلاء من ثوار التحرير وبالتالي ثورة 25 يناير مع نفي أن الآخر له آراء ودوافع فعلية، فحتى لو كانوا بلطجية فكان على المخرج محاولة نقل الصورة من الجانبين وليس من جانب واحد تحول إلى دعاية موجَهة وموجِهة لجهة تمثل الثورة. أيضا نجد في الجزء الثالث شكل آخر من أشكال عدم السعي وراء الحيادية وهو طريقة سرد الفيلم شديدة السخرية من السياسي/ الديكتاتور بواسطة الرسوم المتحركة والتي تعتمد على منهج إعلاني - تنموي بشري؛ وهي: كيف تصبح ديكتاتورا في عشر خطوات؟ فأخرج لنا الرئيس السابق كشخص مختل عقليا بدون أن يحاول مجرد محاولة رصد الرأي الآخر وتقديمه وبالتالي أخذ الفيلم منحنى دعائي موجَه ضد الرئيس السابق.
نجد المفارقة في أن أكثر المخرجين الثلاثة سعيا وراء الحيادية هي آيتن أمين مخرجة الجزء الثاني الذي يتحدث عن الشرطة فلقد قامت بالفعل بنقل كلا الرأيين من داخل ومن خارج مؤسسة الشرطة، الذي ضد ممارسات الشرطة العنيفة والفاسدة والذي مع هذه الممارسات. أيضا قامت بإشراك المشاهد معها في التقييم، فهي تطرح والمشاهد يختار ما يقتنع به بخلاف المخرجين الآخرين اللذين قدما للمشاهد صورة تحمل آراءهما فقط بلا قبول للآخر ورأيه. وبذلك نجحت آيتن أمين في تلافي أخطاء جدتها ليفي ريفنشتال التي تعتبر من رواد العمل النسائي بالسينما، بينما سقط تامر عيسى وعمرو سلامة في شَرك العصبية الديكتاتورية الموجَهة التي ينتقداها بفيلميهما.
من جهة أخرى، لم يوفق المونتير في خلق إيقاع واحد للأفلام الثلاثة مجتمعة، أيضا ومن وجهة نظري لم يوفق المخرجون في اختيار إيقاع مناسب لكل فيلم من الأفلام على حدا. فلقد بدأ الجزأين الأول والثاني بإيقاع سريع ثم أخذ يهدأ رويدا رويدا. وهو ما لا يناسب أحداث الثورة المتلاحقة من جهة الشعب الثائر ومن جهة الشرطة الهائجة خاصة مع سرعة أحداث الثورة، فمنذ اندلاع الثورة ظهر يوم 25 يناير 2011 حتى يومنا هذا تتلاحق وتتسارع الأحداث المختلفة والمتباينة والمفاجئة حتى أن المرء ليلهث من مجرد محاولته متابعتها واللحاق بها. أما عن الفيلم الثالث فاختار مخرجه أن يقدم إيقاع سريعا جدا يتناسب مع منهجه الإعلاني/ تنموي البشري، لكنه لا يتناسب بالمرة مع الشخصية التي يتحدث عنها وهو حسني مبارك بكل قراراته وطريقة أداءه البطيئة الباردة العقيمة.
فيلم "الطيب والشرس والسياسي" هو أول فيلم تسجيلي يعرض بدور العرض التجارية، إذا استثنينا النشرات الإخبارية المصورة أثناء الحرب العالمية الثانية وفيلم مايكل مور الأمريكي "فهرنهايت 9/11". ولذلك فهو تجربة تستحق التقدير والتشجيع خاصة أنه فيلم جيد صنعه شباب موهوب ينبئ أن المخرجين الذين ظهرت أفلامهم الأولى قبيل الثورة ببضعة سنوات يستطيعون تقديم أفلاما تنهض بالسينما المصرية بشقيها التسجيلي والروائي لتأخذ مكانها الذي تستحقه بين السينمات العالمية. فهنيئا للسينما.
محمد سيد عبد الرحيم