ترجمة محمد سيد عبد الرحيم
استخدم مصطلح
(التَّصوّف) على مرّ العصور باستفاضة وبمعانٍ عدّة. ويتكون جذر كلمة (تَّصوّف) من
ثلاثة أحرف عربيَّة؛ هى: (ص و ف). وثمّة العديد من الآراء يتم تناقلها حول سبب
تكوّن هذه الكلمة من الأصل (ص و ف)؛ فبعضهم يقول أنّها مشتقّة من (صفاء)، بينما
آخرين يقولون أنّها اشتقّت من الكلمة العربية (صفوة)؛ أي الذين تم اختيارهم، وهذا
المعنى الأخير كثيرًا ما يُشار إليه في الأدب الصوفي، والبعض الآخر يدّعي أنّ
الكلمة قد اشتُقّت من كلمة (صف)، نسبة إلى المسلمين الأوائل الذين كانوا يقفون في
الصفوف الأماميّة من الصلاة أو أثناء الابتهالات أو الغزوات، هناك أيضًا من يدّعي
أنّها مشتقّة من كلمة (صفة)؛ وهي شرفة طينيّة مرتفعة قليلا عن الأرض خارج مسجد
الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- بالمدينة، حيث غالبًا ما كان يجلس فوقها الفقراء
وطيبو القلب، البعض الآخر افترض أنّ أصلها جاء من كلمة (صوف)؛ وهذا يدلّل على أنّ
مَنْ كانوا مهتمّين بالمعرفة الباطنيّة كانوا أيضًا غير مهتمين بمظهرهم الخارجي،
وغالبًا ما كانوا يلبسون ثوبًا صوفيًّا واحدًا بسيطًا طوال العام.
أي كان أصل
المصطلح؛ فقد أجمع العلماء على أنّه يُشير إلى هؤلاء الراغبين في الوصول إلى
المعرفة الباطنيّة، هؤلاء الراغبين في العثور على طريق أو مران لإيقاظ الباطن
وتنويره.
من الأهمية
بمكان أن نلاحظ أنّ هذا المصطلح لم يُستخدم خلال القرنين الأولين من الإسلام،
فكثير من نقّاد المتصوّفة أو أعدائهم يذكّروننا بأنّ هذا المصطلح لم يُسمع خلال
حياة محمد -صلّى الله عليه وسلّم- أو مَنْ عاشوا بعده أو مَنْ عاشوا بعدهم.
علي أيّة حال،
فخلال القرنين الثاني والثالث بعد مجيء الإسلام -عام 622- بدأ البعض يُطلق على نفسه مصطلح (المتصوّفة)، أو
يستخدمون مصطلحات شبيهة تتعلق بالصوفيّة، حيث تبيّن أنّهم يتبعون طريق تصفية
النّفس، وتصفية القلب، وتحسين خصالهم الشخصيّة والسلوكيّة كي يبلغوا مبلغ
هؤلاء الذين يعبدون الله وكأنّهم يرونه، مدركين أنّه -رغم أنّهم لا يرونه- فهو
يراهم، وهذا ما يعنيه مصطلح التصوّف الذي امتد طوال عصور الإسلام حتى الآن.
أورد هنا
بعض تعريفات كبار المتصوّفة للتصوّف:
يجد الإمام
الجنيد البغدادي (ت910) أنّ التصوّف هو: "إتيان مكارم الأخلاق، وتجنّب سفسافها"، أمّا
الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ت1258) -وهو من المتصوفة الكبار بشمال أفريقيا- فيجد أنّ التصوف هو: "تمرين
النّفس بالعبادة لإرجاعها إلى طريق الله عزّ وجلّ"، والشيخ أحمد زوروق المغربي
(ت1494) يجد أنّ التّصوف هو: "العلم الذي عن طريقه تستطيع أن تضع القلب
في موضعه كليًّا لله تعالى، باستخدام معرفتك لطريق الإسلام، خاصة بإقامة الشرائع
والإلمام بالمعارف المتعلّقة بها؛ من أجل تحسين أعمالك والالتزام بحدود الإسلام
لتنكشف لك الحكمة".
وأضاف:
"إنّ أساسها معرفة الواحد، وتحتاج بعد ذلك إلى حلاوة الثّقة واليقين، وإلا
فلن تكون قادرًا أن تُحقق شفاء القلب".
أمّا الشيخ
ابن عجيبة (ت1809)، فيقول:
"التصوّف
علم يعرّفك كيف تسلك لتصير بحضرة الله الحاضر دومًا، عن طريق تصفية باطنك بالأعمال
الصالحة، إنّ طريق التصوّف يبدأ بالعلم وينتهي بالعطايا الإلهيّة، ويمتلئ بالأعمال
الصالحة".
قال الشيخ
السيوطي: "المتصوّف هو الذي يستمر في الصفاء مع الله، وبالصفات الحسنة مع
الخلق".
توجد الكثير
من المقولات المتناقلة والمكتوبة عن التصوف كهذه المقولة السابق ذكرها، وبالتالي
نستنتج أنّ أسس التصوّف هي صفاء القلب ووقايته من أيّ حزن، وأن ناتج هذا هو
العلاقة المتناغمة والحقيقيّة بين الإنسان وخالقه؛ لذا فالمتصوف هو الشخص الذي
قدّره الله أن يُصفّي قلبه وأن يؤسّس هذه العلاقة معه ومع خلقه بالسير في
طريق الحق، وأفضل مثال على ذلك هو محمد صلّى الله عليه وسلّم.
إنّ التصوّف مؤسَّس
في التراث التقليدي للإسلام على الاحترام، فهو يؤدي إلى الاحترام والوعي الكلّي،
فالاحترام يبدأ من الخارج، فالصوفيّ الحقيقي يُمارس الطهارةَ الظاهريَّة، وأيضًا
يظلّ متّبعًا للأوامر والنواهي التي وضعها الله، فطريق التصوّف يبدأ بإتباع شرائع
الإسلام التي تعني طريق الطاعة لله؛ لذلك يبدأ المتصوّفُ باكتسابَ معرفة الشعائر الظاهريَّة
من أجل تطوير وتنمية وإحياء حالة يقظته الباطنية.
من الخطأ أن
نظنّ أنّ المتصوّف قادر على تذوّق ثمار التصوّف -النور الباطني واليقين ومعرفة
الله- بدون أن يُحافظ على (الصدفة) الظاهريّة التي تحميه، والتي تتأسس على الالتزام بالشرائع، وهذا السلوك الظاهري الحق
-السلوك البدنيّ- يتأسّس على الدعاء والصلاة، وأيضًا على كل الشعائر التي تعتمد
عليها العبادة التي أرساها محمد -صلّى الله عليه وسلم- من أجل تحقيق يقظة القلب،
وبعدها يستطيع المرء أن يصل إلى الصفاء، متدرّجًا من نوايا المرء السابقة إلى
المطامح العليا، ومن مخابرة الطمع والغرور إلى التواضع والرضا، ويحتاج هذا الفعل
الباطني إلى أن يستمر في احتوائه والحفاظ عليه في حالة باطنيّة جيدة.

0 comments:
إرسال تعليق